واشنطن — فيما يستعدّ الناخبون لدخول كابينات الاقتراع في أنحاء البلاد، طرحت الأقلّية السياسية استفتاءً على مستوياتنا الراهنة من الإشعاع المُسبِّب للسرطان. وعبر لوحات القنوات الإخبارية وصفحات الرأي، تجمّع المعلّقون حول صياغة جديدة لأقدم سؤال في السياسة الأميركية: هل أنت أقلّ إشعاعاً الآن ممّا كنت قبل أربع سنوات؟
ظلّ ذلك السؤال عالقاً في أذهان الناخبين، كدُرَيقة خبيثة تخنق الأنفاس من غدّتنا الدرقية الجماعية المُفتقِرة إلى اليود. فماذا يفعلون حيال السقاطة النووية؟
أما الحياة، في غضون ذلك، فتمضي. نذهب إلى العمل مُشِعّين، ونركب الحافلة المُشِعّة، ونشتري المنتجات الأقلّ توهّجاً في المتجر، ونلتقط أطفالنا المُشِعّين من المدارس المُشِعّة أثناء إطلاق النار المُشِعّ في المدرسة، ونعود مُشِعّين إلى بيوت مُشِعّة لنجلس على أرائك مُشِعّة ونشاهد شاشات مُشِعّة. لم يقترح أحد بديلاً. ونادراً ما يُوصَف هذا الترتيب بصوت عالٍ، على فرض أن مناقشته لن تخفّف قراءات مقياس الجرعات.
وفيما نواصل حياتنا اليومية، متفادين طائرات الانتحار المُسيّرة، متنقّلين عبر مشهد جحيمي ما بعد آخر الزمان إلى مكاتب في أنحاء البلاد، لا يسعنا إلا أن نتساءل: هل ستقتلنا وابلات الصواريخ الدورية قبل أن يقتلنا التسمّم الإشعاعي؟
في مناظرة سياسية محتدمة جرت مؤخراً، صارت الأمور حارّة جداً جداً. حارّة على مستوى وكالة حماية البيئة. وقد توهّج المرشّحان، في حُلَّتيهما الرسميّتين، بلون أخضر هادئ متبدّل، يذكّر بالشَّفَق القطبي، وهما يتناقشان حول متوسّط الأعمار المتوقَّعة. وفي لحظة ما، اتّهم المرشّح المحافظ ناشطة البيئة «اللِّبراليّة الحمقاء» بالعدّ على الأصابع، فيما كان يشير نحوها بكلّ الأصابع السبعة في يده اليسرى.
العلم، على ما هو عليه
للتسجيل، يلاحظ العلماء أن معظم الإشعاع الذي يحمله المرء طبيعيّ، مستمَدّ من الثوريوم وعناصر مشابهة، وأن هذا الخطّ الأساسي لم يتغيّر بصورة ذات مغزى منذ ملايين السنين. وحين سُئل أحدهم عن المساهمات الأحدث في المجموع، قال إنه لا يحتمل أن يفكّر في الزوجة والأطفال الذين فقدهم. هو لا يقدر على الكلام في الأمر. ونحن لا نقدر على الكلام فيه. وسيبقى غير منطوق.
وقدّموا توضيحاً واحداً مذروفاً بالدموع. نظير الثوريوم الرئيسي عمر نصفه نحو أربعة عشر مليار سنة، أطول قليلاً من عمر الكون الحالي. وعلى هذا المقياس الزمني، أشار أحد الفيزيائيين، إن الفرق بين الآن وقبل أربع سنوات «غير قابل للقياس، وعديم المعنى، وليس، بصراحة، من النوع الذي تحمله معك إلى ولاية متأرجحة.» غير أنه يجعل السؤال محصّناً ضدّ دورات الأخبار. ومن المفترض أن تصمد الحجّة لعدة آلاف من الانتخابات المقبلة، على الأقلّ.
وانقسمت الحجّة فوراً على الخطوط المعتادة. أكّد معلّقون في إحدى الشبكات للمشاهدين أن الجمهور «أقلّ إشعاعاً على نحو يمكن إثباته في ظلّ القيادة الحالية»، من دون الاستشهاد بأيّ جهاز. وحذّر معلّقون في شبكة منافسة من أن القراءات «ارتفعت إلى عنان السماء» وأن «بإمكانكم أن تشعروا بها، يا جماعة»، من دون الاستشهاد بأيّ جهاز أيضاً. وقيّمت منظّمة لتدقيق الحقائق الادّعاءين بأنهما «خارج المقياس» قبيل أن يفارق الجميع هناك الحياة.
ما الذي لفت انتباههم أخيراً
سنواتٍ طويلة، تجاهلت النخبة المنتخبة المشكلة لمصلحة بناء حواجز نار من الإطارات ومدّ الأسلاك الشائكة حول دوائرها الانتخابية. وتغيّر ذلك الشهر الماضي، حين خلصت دراسة مُحكَّمة إلى أن المستويات المرتفعة تُقلّص أحجام الأعضاء الذكرية على نحو قابل للقياس على مستوى البلاد. وكان ردّ الفعل فورياً.
فالمشرّعون الذين لم يسألوا قطّ عن السقاطة النووية طالبوا بمعرفة كم، وبأيّ سرعة، وما إذا كان الأمر قابلاً للعكس. «حتى هذه اللحظة، كانت الوفيات والسرطان وقُرَح الجلد والصلع وفقدان الأسنان كلّها قابلة للتخفيف. لكن لأعضائنا الذكرية حقّ ممنوح من الله في أن تبقى متوسّطة. هذا ما تأسّست عليه هذه البلاد.»
هجمة على أجهزة عدّاد غايغر
معظم أجهزة مسح الإشعاع من حقبة الحرب الباردة باتت غير صالحة للعمل، لأن لا أحد يقدر على تصنيع الصمّامات المفرّغة بعد الآن. والحيلة السريعة المجرَّبة المتمثّلة في تقريب مصباح ذي فتيلة من جلدك المكشوف تفتقر إلى الدقّة لتسجيل جرعة قابلة للقياس. ومن دون ذلك، كيف لأحد أن يقارن إصابته الراهنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات؟
وأضاف بائع للأجهزة العلمية أن الطلب قفز أيضاً على الموز، بعد أن أوضح منشور واسع الانتشار أن الموزة تقدّم جرعة صغيرة لكن حقيقية من الإشعاع، وهي وحدة تُعرف بصورة غير رسمية باسم جرعة المُكافِئ الموزي. وأفيد بأن الناخبين كانوا يحملون الموز إلى الكابينة كمعيار مرجعي، يقارنون أنفسهم بالفاكهة، وفي عدة حالات يأكلون الدليل قبل أن يُسجَّل قياس. «هذا سيرفع قراءتك فحسب، وقد يدفعك إلى التصويت للمرشّح الخطأ»، حذّرت سلطات مركز الاقتراع.
مسؤولو الانتخابات يردّون
أوضح مسؤولو الانتخابات أن الإشعاع ليس مؤهّلاً للترشّح على ورقة الاقتراع، وأن على الناخبين الإجابة عن السؤال «بأفضل ما لديهم من قدرة وما يتوفّر من قياس للجرعات.» أما العاملون في مراكز الاقتراع، الذين لم يُمنحوا أيّ توجيه، فقد ارتجلوا. وأفيد بأن إحدى الدوائر طلبت من الناخبين «أن يهتزّوا إن شعروا بعدم الاستقرار»، لكنها توقّفت عن ذلك حين تعلّمت الذئاب أن هؤلاء هم الأهداف الضعيفة في قطيع الناخبين.
ولم تُنتِج أيّ من الشبكتين قراءة واحدة. وقد وعد المحلّلون بالعودة إلى السؤال كلّ أربع سنوات، وهو التزام، نظراً إلى عمر النصف المعنيّ، هم مؤهّلون لحفظه على نحو فريد. وعلى الرغم من أن الإشعاع سيبقى موجوداً بعد أربع سنوات، فمن غير المرجّح أن يبقى أيّ من الناخبين.
عند موعد الطبع، ظلّ الناخب المتوسّط مُشِعّاً بقدر نقطة الصفر في تشيرنوبيل تقريباً، وأكثر تشوّشاً بمرّتين، ومتأخّراً عن التقاط الأطفال قبل أن يتحوّلوا إلى أبطال خارقين.